القرطبي

132

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

رجلا أطلب للعلم من عبد الله بن المبارك الشامات ( 1 ) ومصر واليمن والحجاز . وأما الطحاوي وسفيان لو صح ذلك عنهما لم يحتج بهما على من خالفهما من الأئمة في تحريم المسكر مع ما ثبت من السنة ، على أن الطحاوي قد ذكر في كتابه الكبير في الاختلاف خلاف ذلك . قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد له : قال أبو جعفر الطحاوي اتفقت الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد فهو خمر ومستحله كافر . واختلفوا في نقيع التمر إذا غلى وأسكر . قال : فهذا يدلك على أن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنب " غير معمول به عندهم ، لأنهم لو قبلوا الحديث لأكفروا مستحل نقيع التمر ، فثبت أنه لم يدخل في الخمر المحرمة غير عصير العنب الذي قد اشتد وبلغ أن يسكر . قال : ثم لا يخلو من أن يكون التحريم معلقا بها فقط غير مقيس عليها غيرها أو يجب القياس عليها ، فوجدناهم جميعا قد قاسوا عليها نقيع التمر إذا غلى وأسكر كثيره وكذلك نقيع الزبيب . قال : فوجب قياسا على ذلك أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة . قال : وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كل مسكر حرام " واستغنى عن سنده لقبول الجميع له ، وإنما الخلاف بينهم في تأويله ، فقال بعضهم : أراد به جنس ما يسكر . وقال بعضهم : أراد به ما يقع السكر عنده كما لا يسمى قاتلا إلا مع وجود القتل . قلت : فهذا يدل على أنه محرم عند الطحاوي لقوله ، فوجب قياسا على ذلك أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة . وقد روى الدارقطني في سننه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إن الله لم يحرم الخمر لاسمها وإنما حرمها لعاقبتها ، فكل شراب يكون عاقبته كعاقبة الخمر فهو حرام كتحريم الخمر . قال ابن المنذر : وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة ، وإذا اختلف الناس في الشئ وجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام ، وما روى عن بعض التابعين أنه شرب الشراب الذي يسكر كثيره فللقوم ذنوب يستغفرون

--> ( 1 ) في حاشية السندي على سنن النسائي : " قوله الشامات ، كأنه جمع على إرادة البلاد الشامية " :